مقالات

عن الأسعار/ عباس ابراهام

يشتكي نواكشوط هذه الأيام من ارتفاع الأسعار. ليس هذا جديداً. في المقابِل لا يمتلِك غزواني بلسماً. فمنذ الإجماع النيوليبرالي صارت خطة الحكومة هي زيادات طفيفة كلّ عقد لأجور قطاعية بعينِها. وفيما يزيد هذا من ميزانيات التسيير والأجور ويُقوِّض ميزانية الخدمات الاجتماعية والإنجاز فإنّه أيضاً محدود الأثَر على الأجور لتوزّعه الأفقي عليها.
يتعيّن علينا إعادة التفكير في الأسعار. نواكشوط من أغلى عواصِم العالَم. العام الماضي قدّمت لمنحة بحثيّة سُعِّر عليَ فيها نواكشوط بأغلى من الرباط وداكار وبفارِق ضئيل عن باريس. ومع هذه فخدماتُه سيئة جداً. ما هو بديهي في العالَم هو رفاهية هنا.
بدل التركيز على الزيادات الدوانيقية للأجور يجب صرف هذه الموارِد في دعم المواد وفي تخفيض الخدمات الأساسيّة وبالأخصّ الماء والكهرباء. من غير المعقول أن تدفَع أسرة من الطبقة الوسطى ألف دولار فقط في الكهرباء. هذا أغلى بعشرة أضعافٍ من المعدّل العالَمي. إذا دفعت الدولة فقط ميزانية علاوة الطبشور أو زيادة أجور الجنرالات إلى شركة الكهرباء بصفة دعم الأسعار لانخفضت أسعار الطاقة بأضعاف. يجب نقل الضرائب من ضرائب على جمركة الغذاء وعلى الخدمات الأساسيّة إلى ضرائب على المخالفات. كلّ رجل ضرائب يحلم بنظام مرور فوضوي كنظام مرور موريتانيا حيث يمكن جني المليارات من المخالفات وفي نفس الوقت تهذيب الجماهير. والبلديات ستثرى من ضرائب النظافة (بشرط إنفاقِها في نظام صرف القمامة). إذا تحوّلت الضرائب من الخدمات إلى المخالفات ومن الأعمال الصغيرة إلى الاستثمارات الكبيرة أمكَن السماح بنمو البيوتات كما إعادة توزيع الثروة.
أيضاً، ربّما يتعيّن علينا إعادة العمل بمراقبة الأسعار كما في الثمانينيات ووضع قائمة الأسعار على أبواب الأسواق لمنع المضاربة وكبح جشع التجار. ليس صحيحاً أنّ الرأسمالية تراقِب الأأسعار فقط باليد الخفية للسوق، بل بترسانات قانونية ورقابات على الجودة والمعايير. ما يوجد عندنا هو فوضى التجار. في القديم كنا نكبحها بالورع والضمير. هذه الأشياء لم تعد متوفِّرة.
وطبعاً كلّ هذا يبقى بلا فائدة بدون استراتيجية توظيف. أزمة القمامة في حدّ ذاتِها يمكن أن تحلّ بمصانع القمامة، بدل حرقها. مصانع كهذه تُشغِّل الآلاف. أيضاً بدل أن يستجدي رئيس الجمهورية الدول بمنحه الهبات المالية يجب عليه أنْ يحمل مشاريع تصنيعية تُموِّلُها له الدول. الدول لا تمنع الخِلع والصلات. الدول تستثمِر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى