مشروع تنموي يختلف عن باقي المشاريع/ المهندس أحمدو يحي ول البناني

حالفني الحظ ، و اعتبرها من اثرى تجاربي الميدانية ، انني خدَمْتُ مندوبا جهويا للزراعة في ولاية آدرار. وقد تميزت هذه الفترة من حياتي المهنية بنشاطات مكثفة في مجال تطوير و ترقية شعبة الانتاج الاول في هذه الولاية وهو طبعا التمور و بعض الخضروات.

وقد دُهِشْت بطريقة المعاملة والعقلية التنموية للمنتج الواحاتي، الذي يرتبط ارتباطا عضويا بزراعته و واحاته، ليقهر الطبيعة رغم شح المياه و استمرار تقدم ظاهرة التصحر.

ففي مختلف المناطق التي زرتها ، لاحظت الانجازات الكبيرة التي انجزها مشروع تنمية الواحات. و التي تتراءى للمتتبع، و التي تعمل بكل تناغم مع اهداف التنمية و تطبعها منهجية تشاركية تم تطبيقها بصرامة و دقة.

فروابط التنمية الواحاتية مؤسسات قائمة بذاتها لها نشاطات مدرة للدخل كما لها هيئاتها المنتخبة ديموقراطيا ، فضلا عن مقراتها المجهزة و النابضة بالحركية و النشاط، رغم بعض الاستثناءات الطبيعية ، لكون العمل الانساني يبقي دائما ناقصا.

و تعمل بالتوازي مع هذه الروابط شبكات للقرض و الادخار تساهم هي الاخري باقراض المنتج ليتمكن من مواصلة انتاجه دون اللجوء الى التجار و السماصرة، لرهن انتاجه باسعار زهيدة ، كما هو الحال مع الأسف، في مناطق انتاج الزراعة المطرية.

كما ان اتحاد روابط تنمية الواحات في آدرار يقوم هو الآخر و بتعاون مثمر ومنسق مع مشروع تنمية الواحات و روابط تنمية الواحات ، بجهود جبارة من تنسيق لاعمال منتسبيه من رواط، ومن جلب التمويلات اللازمة ومن برامج تكوينية مستمرة لتحسين الخبرة.

ان مشروع الواحات استطاع رغم صعوبة مناطق تدخله من شحة في المياه و تقدم ظاهرة التصحر، استطاع ان يؤمن مناطق الانتاج خاصة في آدرار و يوصلها الى بر الامان.

فقد تنوع الانتاج من الخضروات خصوصا “كاروت” و “البتراف” كما اصبح هناك فائض من الانتاج ، 10 طنا من الكاروت يوميا تسوق في انواكشط و 3 طونا يوميا في مدينتي أطار و ازويرات في فترة ذروة الانتاج أي فصل الشتاء.

وقد واصل مشروع الواحات الاعتناء بتثمين شعبة التمور، حيث صمم و واكب و نفذ بالتعاون مع جميع الفاعلين في مناطق الواحات، انشاء مؤسستين باقيتين بعد انتهاء المشروع وهما:

– مختبر وطني لمكافحة آفات و امراض النخيل و انتاج الفسائل .

مزود بالمختبرات الضرورية و بطاقم فني متمرس.

وقد استطاع القائمون على هذا المختبر القضاء على اخطر آفة عرفتها زراعة النخيل في العالم، و لم يتم استأصالها الا في موريتانيا ” مدينة تجكجة” و في جزر كاناري في اسبانيا.

و بشهادة من منظمة الاغذية و الزراعة التي واكبتنا ، و قد كنت منسقا مشروع تابع لFAO، للقضاء على هذه الآفة الخطيرة، التي دمرت واحات كبيرة في الخليج العربي من نخيل التمر و نباتات الزينة من انواع النخيل في دول اروبية عديدة.

و قد اصبحت تجربة موريتانيا في هذا المجال نموذجا ، تم عرضها في عدة محافل دولية.

– الشركة الموريتانية للتمور، حيث تعمل هذه الشركة على شراء التمور من ملاك النخيل و حفظها في غرف خاصة بالتجميد و التبريد ، و فرزها طبقا للطلب و معالجتها وتعليبها وتسويقها في جميع انحاء الوطن .

وتقدر سعة تخزين هذه الشركة بحوالي 500 طنا .

و قد ساهمت هذه الشركة في تشغيل يد عاملة محلية مهمة و خاصة من فئة النساء .

و يكفي لهذه الشركة مهنيا انها زودت بعض مناطق الوطن و خاصة انواكشوط، بالتمور ذات جودة عالية وصحية و طببعية، بقدرة تنافسية مرضية و بأسعار في متناول الطبقات الضعيفة، في شهر رمضان المبارك، في وقت من اصعب الاوقات، زمن جائحة كورونا.

رغم ذلك فان هذه الشركة تواجه بعض المشاكل الفنية من حيث زيادة قدرة التخزين, و تكاليف الانتاج المرتفعة، حيث ان الشركة كانت مبرمجة على 1000طنا ، الا ان هذه المشاكل ستجد طريقها للحل قريبا .

و تعتبر هذه الانجازات ثمرة للجهود الحثيثة التنموية لمشروع تنمية الواحات .

و كمتابع لتطور هذا القطاع ، منذ زمن ليس بقصير، لاول مرة أرى مشروعا يعطي مخرجات مؤسسية باقية بعد انتهائه .

ورغم هذه الانجازات المهمة تبقي شعبة التمور و الخضروات المصاحبة لها ، تواجه بعض المشاكل منها ماهي هيكلية كشح المياه و منها ماهي تنظيمية ونشاء بنى تحتية ضرورية لترقية هذه الشعبة و ما يصاحبها من زراعات تحت النخيل.

و على الحكومة ان تبذل مجهودات اضافية لربط منطقة آدرار بمصادر مائية كافية.

كما مشكلة تسويق الفائض الكبير من منتوج الجزر ” كاروت” تطرح اشكالية كبيرة ، ظلت قائمة و يلجأ دائما الى حلول آنية، موسمية ،و هو أمر يجب حله حلا جذريا عن طريق خلق آلية تسويقية مكتملة الابعاد تتلخص في :

– تنظيم استراد بعض المحاصيل في فترة الانتاج مثل الجزر من نهاية شهر ينابر الى غاية بداية مايو.

– خلق بنى تحتية من مبردات ذات سعة كبيرة في مناطق قريبة من مناطق الانتاج.

– تحسين جودة المنتوج عن طريق ادخال اصناف من بذور الجزر متأقلمة مع مناخ المنطقة و تتحمل شح المياه و ذات جودة عالية. فضلا عن تنظيم عملية الحصاد عن طريق ضبط فترات البذر و برمجتها برمجة تسمح باختلاف مواعيد النضج.

و اعتبر أن معالي وزير التنمية الريفية خلال اللقاء الذي خص به التلفزة الموريتانية يوم الجمعة 10 يوليو الجاري، اعطى حلولا لبعض المشاكل فيما يخص منطقة الواحات حيث اكد ان القطاع سيعمل على البحث عن مصادر للمياه و مواصلة برامج مشروع تنمية الواحات لانشاء واحات جديدة بالمعايير الفنية المطلوبة من حيث المسافات بين النخيل ،و قدرة مصدر المياه على تلبية حاجة الواحة و إدخال طرق الري الحديثة المقتصدة للماء فضلا عن باقي التقنيات الزراعية الضرورية لرفع المردودية.

وقد استوقفني اجراء مهم هو ادخال بعض الاصناف عالية الجودة من نخيل التمر في منظومتنا الانتاجية بطريقة مؤطرة و قانونية ، من حيث تأمين عدم ادخال آفات زراعية خطيرة قد تقضي على موروثنا الجني من النخيل.

فهذه خطوة تنظيمية ، يشكر عليها القطاع، لان بعض الخصوصيين في بعض المناطق قد استبقوا القطاع في السنين الماضية و ادخلوا بعض الاصناف الامراتية العالية الانتاجية و الجودة ، الا أن هذا الادخال كان غير مؤطر من طرف الفنيين، و هو ما نتج عنه ادخال الآفة الخطيرة السوسة الحمراء للنخيل، و قد تم تفعيل القانون الخاص بحماية النباتات، وتم تحريم استراد وادخال جميع انواع النخيل .

و بهذه الاجراءات يكون برنامج ما بعد جائحة كورونا قد انطلق و علينا كفنيين و منتجين و اصحاب رأي ان نواكب هذه البرامج القطاعية و خاصة القطاع الريفي ، الذي أظهر و بكل وضوح ضرورة الاستثمار فيه لكي نحقق سيادتنا الغذائية و اكتفائنا الغذائي في بعض المحاصيل الاستراتجية مثل الارز، و اظن ان التمور ستكون المحصول الثاني الذي سنصل الى الاكتفاء الذاتي منه ، اذا استمرينا بالوتيرة و ذللنا تلك المشاكل الهيكلية و التنظيمية المذكورة في المقال.

و الله الموفق.
نقلا عن أقلام حرة

Be the first to comment

اترك ردا